تسييس العلم: بين زواج الشواذ والزواج المبكّر

كما أنّ هناك تسييسًا للدين، فهناك أيضًا تسييس للعلم (1). ولنأخذ كمثال قضيّتين تُكثر الجمعيات الحقوقية الحديث عنهما: الزواج والمبكّر وزواج الشواذ.

تسييس العلم: بين زواج الشواذ والزواج المبكّر

هناك نشاط بارز جدّا للعديد من الجمعيات العلمانية يتّجه نحو “التوعية” حول الزواج المبكّر وخطورته. تقام الندوات والفعاليات للتحذير منه، بل ويطالب بعض البرلمانيين برفع سنّ الزواج من 17 إلى ما فوق سنّ 18، باعتبار أنّ الزواج قبل سن الثامنة عشرة يحمل الكثير من المضار.

إلى أي شيء يستند هؤلاء من “العلم”؟

إنهم يتحدثون في الواقع عن أبعاد سلبية للزواج المبكر في مختلف المجالات: الحرمان من التعليم، الأبعاد الاجتماعية والعاطفية، والتأثير الصحّي السلبي على الفتاة. وليس غرضي في هذا المقال أن أجادل حول وجود بعض الآثار السلبية للزواج المبكر في هذه المجالات، وإنْ كنت أرى أن سببها الرئيسي هو المنظومة المجتمعية ككلّ، والسياق الذي يتم فيه هذا الزواج (الثقافي والاجتماعي والتربوي والتعليمي والسياسي والاقتصادي والبيئي)، والتي تفرض نمطًا معيّنا يؤخّر النموّ المعرفي والعاطفي والاجتماعي ويصعّب عملية الدراسة بعد الزواج، أي إنّ المشكلة في الأساس ليست مرتبطة بعنصر التبكير في زواج الفتاة فحسب، بل بجملة عوامل مرافقة له لا يمكن إغفالها عند دراسة القضية. ولكنّي مع ذلك أريد تسليط الضوء على الحملات الضخمة التي تقودها منظمات حقوقية بل ومؤسسات دولية كاليونيسيف والأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية وغيرها بهدف “مكافحة” الزواج المبكّر، استنادا إلى آثار سلبية له، هي في كثير منها نسبية وبعضها محتمل وغير قطعي وخصوصا في الجانب الصحّي، حيث تكثر الدراسات والأبحاث الإحصائية التي تتحدث عن زيادة نسبة الإجهاض ومشاكل الولادة وتأثير الحمل السلبي على بنية المرأة عندما تكون تحت سن الثامنة عشرة، بالمقارنة مع النساء اللواتي ينجبن الأطفال في سنّ أكبر.

في المقابل، نعلم جميعًا أن معظم جيل الجدّات وما قبلهن قد تزوّجن مبكّرا دون أن تنعكس هذه الآثار السلبية بشكل ظاهر للعيان، بل استمر هذا الحال على مدى مئات السنين. والحاصل أنّ الحديث عن الآثار السلبية هو ما بين آثار محتملة وغير قطعية، أو حديث عن زيادة نسبة الخطورة وخصوصا في المجال الصحّي. لكن في المجمل فلو تزوجت فتاة في سنّ السابعة عشرة وأنجبت وأسست مع زوجها أسرة؛ تكون قد مارست حياة زوجية عادية، بغضّ النظر عن الآثار السلبية التي قد تقع وقد لا تقع، فهي في المجمل حياة عادية لا ينتابها أي خطر “كارثي” يستدعي كل هذا الاستنفار “الحقوقي” و”الإعلامي” لمحاربة الظاهرة، والذي يصوّرها في بعض الأحيان وكأنها تهديد وجودي!

وهنا، بعد أن أسهبت قليلا في موضوع الزاوج المبكّر، أودّ الانتقال إلى ظاهرة أخرى وهي ظاهرة “زواج الشواذ”.

لو أخذنا الخطوط العريضة لمخاطر “زواج الشواذ”، وقارنّاها بمخاطر “الزواج الطبيعي المبكّر”، ثم بعد ذلك قارنّا بين الجهود الضخمة المبذولة لمكافحة الزواج المبكر والجهود الضخمة المبذولة في الدفاع عن حقّ الشواذ في الزواج؛ لأدركنا أنّنا أمام “نفاق علمي” منقطع النظير، ولعلمنا أنّ الذي يحكم التوجهات الحقوقية والإعلامية في التعاطي مع الظاهرتين هو “أيديولوجيّات” تعمل على “تسييس” العلم (أو ما يُقال إنّه “علم”) واستخدامه في صالح رؤيتها الفكرية والأخلاقية.

ولننظر نظرة سريعة إلى المخاطر “الكارثيّة” التي يتخلّلها زواج الشواذ، وهي مخاطر لا يمكن أن ينكرها أحد، نطرحها بثقة دون تردّد لكونها أظهر من الشمس في رائعة النهار:

– يحثّ زواج الشواذ على القضاء على إحدى أبرز خصائص الإنسان التي تؤدي إلى حفظ نوعه وهي “التناسل”، مما يشكّل خطرا على وجود النوع البشري أو على الأقل على وجود مجتمعات معيّنة (تهديد وجودي). وقد يعترض هنا معترض ويقول: لن يكون الجميع شواذًا، ولذلك سيستمرّ الجنس البشري. وهنا يمكن القول أيضا: لن يتزوّج الجميع زواجًا مبكّرا، وإنما هي حرية شخصية في التصرّف بالأجساد ترغب بها بعض شرائح المجتمع، فلماذا لا يُسمّى “حقّ الزواج المبكّر” كما يسمّى زواج الشواذ “حقّا” في عرف هذه المؤسسات الحقوقية؟!

– ومن مخاطر زواج الشواذ فقدان الشكل الطبيعي للأسرة وهو: الأم والأب، والذي يساهم في نموّ الطفل في بيئة “طبيعيّة ” (2) تمنحه جميع العناصر التربوية والعاطفية والاجتماعية التي يحتاجها كي ينمو بشكل سليم نفسيا واجتماعيا، وهو ما لا يمكن وجوده في أسرة من رجلين – على سبيل المثال – قرّرا إنجاب طفل من خلال الأرحام المؤجرة وتربيته في المنزل! وليتصوّر أحدكم معنى أن يفقد الطفل معنى “الأم” في حياته، وأثر ذلك “الكارثي” على نفسيته وسلوكه الاجتماعي، فضلا عن المعنى المنحرف لوجود “أبوين” في المنزل!

– ممارسة الجنس بين الشواذ تنطوي على مخاطر صحّية هائلة لا يمكن مقارنتها بالمخاطر الصحية للزواج المبكّر؛ فقد خلق الله الإنسان وجعل لكل عضو من أعضائه وظيفة معيّنة، ويحدث الخلل عند استخدام هذا العضو في وظائف أخرى أو إيذائه بممارسات غير سويّة (هذا أمر غير متعلق بالإيمان بالله بالمناسبة، فالبنية الوظيفية للأعضاء أمر يقرّ به المؤمن وغير المؤمن). وقد تأسس زواج الشواذّ ابتداءً على ميول جنسية منحرفة تجعل الممارسة الجنسية في أعضاء لم تُخلق (أو غير مخصّصة) لهذا الغرض من النشاط الإنساني، فضلا عن مخاطر التلوّث وانتقال الأمراض الكثيرة. ويكفي أن نعلم بأنّ الشواذّ في أمريكا كانوا أول من اكتُشف حملهم لمرض الإيدز الخطير عام 1981، بل أُطلق على المرض في البداية اسم 4H disease، باعتبار أنّ الفئات الأربع التي ينتشر فيها المرض تبدأ جميعها بحرف H ومن بينهم الشواذّ (Homosexuals)، ومع ذلك لا نسمع الكثير من الكلام “العلمي” الذي يتحدث عن خطورة الشذوذ وربطه بانتشار مثل هذا المرض الخطير! ومن الجدير بالملاحظة هنا أنّ الحديث “الطبّي” يطول عن مخاطر “الجنس الشرجي” بين الرجل والمرأة؛ حيث يتحدّث الأطبّاء عن انتقال الجراثيم وإحداث الجروح وسلس البراز والتسبب بأمراض كالسيلان وغيرها، ولكن عندما نذهب إلى ساحة الحديث عن “حق زواج الشواذ” تغيب هذه المخاطر الصحّية المثبتة علميّا والتي يحذّر منها جميع الأطبّاء، فيظلّ اسمه مع ذلك “حقّا” في المحافل الحقوقية المدافعة عنه، ولا يسمّى “ظاهرة سلبية”!

– إلى جانب هذه المخاطر (بل الكوارث) الاجتماعية والنفسية والتربوية والصحّية والتي يؤدي إليها “زواج الشواذ”، يظلّ الجانب الأخلاقي والديني حاضرًا ومتأثّرا بما تثيره هذه الظاهرة من استنكار معظم البشر ذوي الفطر السليمة، حيث سيؤدي تشجيع هذه الظاهرة وحمايتها بموجب القانون إلى ممارستها علنًا وفي الحياة العامة، مما سيكون له أثر سلبي على الشرائح الأكبر من المجتمع (من غير الشواذّ) وخصوصا على الأطفال؛ إذ يتعرّض هؤلاء الأطفال – بحماية القانون وقسرًا – لظاهرة غير أخلاقية تحمل كل هذا الكم من المخاطر التي ذكرناها على جميع المستويات، دون أن يملك ذووهم حقّ إدانتها أو إبعادها عن المجال العام لحماية أطفالهم على الأقل، ودون أن يكون هناك حضور لافت لجمعيات ومؤسسات “حقوقية” تكافح هذه الظاهرة وتدينها!

بعد هذه المقارنة نصل إلى نتيجة واضحة تُظهر لنا حجم النفاق “العلمي” الذي دفعتْ نزعاتُ أصحابه الأيديولوجية إلى تسمية زواج الشواذ “حقّا”، وتسمية الزواج المبكّر “ظاهرة سلبية” يجب مكافحتها. فلا نجد نشاطا حقوقيّا ذا بال يتحدّث عن “الحق في الزواج المبكّر”، رغم أنّه وبالمقارنة بين الظاهرتين نجد فرقا هائلا، بل نجد أنّ المقارنة غير منصفة إطلاقا؛ بين ظاهرة طبيعية فطرية (وهي الزواج بين رجل وامرأة بالغين ولكن في جيل مبكر بعض الشيء)، وبين ظاهرة منحرفة تلغي أحد أهم أنشطة الإنسان الرامية إلى “حفظ النوع”، وتنطوي على كوارث اجتماعية ونفسية وتربوية وأخلاقية وصحّية!

لم يكن هدفي في هذا المقال الموجز – وليس من اختصاصي – مراجعة مصداقية “الأبحاث العلمية” التي يحاول أنصار الشذوذ التذرّع بها، ولكني أحببت تسليط الضوء على ظاهرة “تسييس العلم” من خلال توجيه الأنظار إلى جوانب سلبية تكمن في ظاهرة صحّية في مجملها (الزواج المبكر)، وفي المقابل الدفاع عن ظاهرة منحرفة تنطوي على مخاطر عظيمة من خلال أبحاث هشّة (3) وظنّية تتحدّث عن وجود دور محتمل (غير قطعي) للعامل الوراثي في ظهور الشذوذ. فنقرأ – على سبيل المثال – في مقال “علمي” هذا الكلام: (حديثًا تم تسخير “خارطة الجينوم البشري” بهدف البحث عن عوامل جينية محتملة تؤثر على التوجهات الجنسية عند الذكر، النتيجة تظهر أن هناك العديد من المناطق الجينية يمكن أن يؤثر على نشوء المثلية الجنسية) (4). فالحديث هنا (حتى مع قراءة التفاصيل) هو عن عوامل “محتملة”، ومناطق جينية “يمكن” أن تؤثر على نشوء الشذوذ الجنسي، بغض النظر عن أنّ مجرّد وجود هذا العامل الوراثي لا يعني بالضرورة تقبّل الحالة؛ فالكثير من الأمراض النفسية التي لم تُحذف بعد من قائمة الأمراض النفسية (كما تمّ مع الشذوذ الجنسي) تتأثّر بعوامل وراثية، ولا يعني ذلك قبولها كحالة “طبيعية” وعدم العمل على الحدّ منها ومكافحتها، بل الكثير من الأمراض الجسدية – كأمراض القلب مثلا – يلعب العامل الوراثي دورا في نشوئها، فهل هذا يعني أنها مقبولة وصحّية وحقّ طبيعي ينبغي الدفاع عنه؟!

ما يفعله أصحاب العلم المسيّس هنا أنّهم يتغافلون عن جميع المخاطر الكارثية الواضحة والمثبتة علميّا للشذوذ، ويركّزون في المقابل على أبحاث لا تزال في مستوى “الاحتمالات” والتي في النهاية “قد تؤثّر” ولا تجعل من المحتّم على المرء أن يصبح شاذّا يميل إلى نفس الجنس بطبيعته، فهذا أمر لا يزال بعيد المنال عن “البحث العلمي” في موضوع الشذوذ!

ومن جهة أخرى، نجد بأنّ تسييس العلم قد أغفل أنّ ظاهرة الزواج المبكّر هي في مجملها ظاهرة طبيعية ضمن سياق الزواج العادي بين ذكر وأنثى، وأنّ النسبة العالية فيها – كممارسة – هي أنّها ممارسة اجتماعية / جنسية صحّية ينتج عنها في الغالب إنجاب أطفال أصحّاء وبناء أسرة سليمة، وركّز في المقابل على ارتفاع نسبة المخاطر الصحّية والسلبيات الاجتماعية في الزواج المبكّر مقارنة مع الزواج فوق سنّ الثامنة عشرة، والذي قد لا يخلو هو أيضا من تلك المخاطر ولكنّ نسبة انتشارها فيه أقل من الزواج المبكّر. وجعل تسييسُ العلم من المخاطر الصحّية “المحتملة” للزواج المبكّر – والتي نسبتها أقلّ بكثير من نسبة استمرار الزواج والحمل والولادة بشكل طبيعي – سببًا ليعتبرها “ظاهرة سلبيّة” يجب مكافحتها، وتقوم من أجل هذه المهمة مؤسسات دولية ضخمة كالأمم المتحدة واليونيسيف ومنظمة الصحة العالمية وجمعيات حقوقية لا حصر لها!

يقول أنتوني ليك، المدير التنفيذي لليونيسيف: “زواج الأطفال يجعل الفتيات أكثر عرضة بشكل كبير للمخاطر الصحية الشديدة للحمل والولادة المبكرين – وكذلك بالنسبة لأطفالهن -، فيكونون أكثر عرضة للمضاعفات المرتبطة بالمخاض الباكر” (5) . (نتساءل: ماذا عن “الزواج المتأخر” فوق سنّ الخامسة والثلاثين وهو شائع ومخاطره الكبيرة على الحمل لا تخفى علميّا)؟

بينما لن نسمع أصواتا عالية كهذه تتحدث عن الآثار الضارّة لزواج الشواذّ، رغم وضوحها وكونها مادّة خصبة للدراسات والأبحاث العلمية التي سيكون من السهل جدّا عليها التقاط (بل اغتراف) السلبيات والأضرار الكثيرة، التي تستدعي “مكافحتها” وإقامة الندوات والجمعيات للحدّ من انتشارها و”التوعية” حول مخاطرها. ولكنّنا في الواقع لا نجد ذلك شائعًا كما هو في حالة الزواج المبكر، التي تنطوي على قدر ضئيل من السلبيّات بالمقارنة مع ظاهرة زواج الشواذ، والسبب هو أنّ الأقلام التي تبحث وتكتب وتوجّه لا تصدر عن دراسة علمية بحتة، بل تصدر عن توجّه أيديولوجي وأخلاقي مسبق هو الذي يحدّد وجهة البحث “العلمي”، وهو الذي يلتقط “النتائج” ويصنع منها قضية: إما قضية لمكافحة “ظاهرة سلبية”، أو قضية للدفاع عن “حقّ طبيعي”!


1- رغم دلالة مصطلح “التسييس” على استغلال شيء ما بشكل غير نزيه لتبرير ممارسات سياسية سلطوية بشكل أساسي، ورغم أنّ قضية “زواج الشواذ” واستخدام “الأبحاث العلمية” لدعمها أمرٌ يعود للمجال الحقوقي والمجتمعي، فقد استخدمت مصطلح “التسييس” لكون المؤسسات التي تشرعن هذا الزواج وتحميه بقوة القانون هي مؤسسات “حكومية” أو “دولية” أي سياسية في المقام الأول، ومن ثمّ كان مصطلح “تسييس العلم” يدلّ على استغلال العلم بشكل غير نزيه لتمرير ممارسات سياسية تتجلّى في القوانين والحقوق المتعلقة بهذا الزواج، كما أنّ مصطلح “تسييس الدين” يدل على استغلال الدين بشكل غير نزيه لتمرير ممارسات سياسية.

2- نقصد بـ “الطبيعي” في هذا المقال الوضع الذي ينبغي أن يكون ليؤدي الإنسان دوره في الحياة، ومن ضمن هذا الدور حفظ النوع البشري على سبيل المثال، بالإضافة إلى أداء الأعضاء البشرية لدورها الوظيفي الذي خُلقت من أجل القيام به. ولا نقصد مجرّد وجود الحالة في الطبيعة؛ فقد تكون مرضا أو انحرافا وشذوذا.

3- وصفي لها بـ “الهشّة” لا يعني أنني أناقض نفسي وأحكم على مصداقيّتها، بل يعني أنها – حتى لو كانت ذات مصداقية – تعتمد على احتمالات ضعيفة وظنّيّات، ممّا لا يجعلها ذات أدلة علمية قاطعة يمكن أن تثبت – على سبيل المثال – أنّ الشذوذ توجّه فطري وراثي يكمن في جينات الشخص الشاذّ، وصياغة تلك الأبحاث – لمن راجع بعضها – هي التي تدل على هذه الهشاشة في الاستنتاجات.

4- مقال على موقع “الباحثون السوريون” تحت عنوان “المثلية الجنسية” – الجزء الثاني.

5- عن موقع “منظمة الصحة العالمية”، تقرير بعنوان “39 ألف زيجة كل يوم”.

هذه المقالة تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة رأي كرز

التعقيبات

تعقيبات