يوم المرأة العالمي

"يوم المرأة العالمي: في العالم العربي لا تستطيع المرأة الحديث عن الجنس فما بالك بالاستمتاع فيه، لكن هذا قابل للتغيير"

السيطرة على الحياة الجنسية للمرأة هي رغبة حية وموجودة في الوطن العربي الحديث

انتج كاتب بغدادي قبل ألف سنة دليل جيد للحياة الجنسية، وهو المعروف باسم علي بن ناصر الكاتب، اطلق على دليله اسم “جوامع اللذة”، من أهم النصائح الموجودة في الموسوعة: “التحدث والتقبيل مهم جداً بعد الانتهاء من المعاشرة والاتحاد الجنسي حيث أنها تدل على العطف بين الأحباء، حيث أن الصمت يخلق موقف محرج بين الأزواج فهو يترك المرأة بشعور ندم تجاه ما حدث”.

لننتقل إلى القرن الحادي والعشرين، هناك نقص على صعيد هذه الآداب الجنسية، على الأقل لدى صديقتي المصرية في القاهرة. عزة في منتصف الأربعينيات من العمر من الطبقة الوسطى ولديها ثلاثة أبناء، تلخص تجربتها الجنسية كالتالي: “عبارة عن خمس دقائق وتكون كل المتعة له، انسي التقبيل وانسي المداعبة” هل يقبلها وهلم جرا؟ لا، وهذا لا يمت للواقع بصلة، حيث أنه هناك دقيقة من المداعبة ومن ثم يبدأ مباشرةً بالجنس ومن ثم ينام ليصحا بعدها ويحضر التلفاز.

تجربة عزة ليست فريدة من نوعها، فمن خلال زياراتي العديدة للشرق الأوسط خلال السنوات الخمس الأخيرة وتحدثي مع الرجال والنساء عن المواضيع الجنسية، ماذا يفعلون وبماذا يفكرون ولماذا، فإني سمعت قصة عزة مراراً وتكراراً. لعله يبدو من الغريب أن نركز على الجنسانية في هذه الظروف السياسية المضطربة، بالعكس فهي عدسة قوية ممكن من خلالها دراسة المجتمع، ليس فقط لأنها تؤمن لنا نظرة عن الحياة الحميمة بل وتوضح لنا الصورة الأكبر من حيث السياسة والاقتصاد، الدين والحياة الحميمة، النوع الاجتماعي والأجيال التي ترسم وتحدد شكل التصرفات والسلوكيات الجنسية القادمة. إن أردت ان تتعرف على الاشخاص ابدأ من داخل غرفة نومهم.

في يومنا هذا في العالم العربي فإن السياق الوحيد المقبول للجنس مجتمعياً هو بين الأجناس المختلفة بناءً على موافقة العائلة والموافق عليه شرعاً ومسجل لدى الدولة، فهو محصن اجتماعياً. كل ما هو خارج ما ذكر فهة “محرم”، و”معيب”، و”غير مهذب”. حقيقة أن هناك العديد من السكان لديهم صعوبة في التأقلم داخل هذا الحصن – بالأخص بين المجموعات الشابة، التي تواجه صعوبة في إيجاد عمل بالتالي يكون الزواج عليها موضوع صعب التحقيق ولا يستطيعون تحمل تكلفته – وهذا معروف على نطاق واسع إلا أنه هناك قوة ردع لأي بديل آخر. حتى داخل الزواج فالجنس هو فعل وليس موضوع للمحادثة. عندما يطرح موضوع الجنس بالعلن، على سبيل المثال في الاعلام، فهو يقدم على انه فضيحة او أزمة او مأساة.

حتى في الزواج فإن الجنس هو فعل وليس موضوع للمحادثة

بالإضافة الى كل ما ذكر فهناك المزيد من الأخبار السيئة التي ستلي، بالأخص في موضوع المرأة، الدافعية الى التحكم في جنسانية الانثى هي ميزة قديمة نتاج للنظام الأبوي، وهي حية وحيوية في العالم العربي الحديث وأعطيت دفعة اضافية بصعود الاسلاميين المتشددين اثناء الربيع العربي. تعكس الاحصائيات ذلك، فعلى سبيل المثال في مصر فقط فإن 80% من الإناث بين عمر 15-17 عام قد تعرضن للختان، من خلال قطع جزء كبير من البظر بهدف ترويض دوافعهن الجنسية وإبعادهن عن التفكير في الجنس. أقل من 5% من النساء الصغيرات في مصر يتلقين أي نوع من التعلم عن الجنس في المدارس، فعادةً يخرجن من الصف أثناء المرات الفريدة التي يكون لدى الاستاذ القابلية لإعطاء هذا النوع من الدروس. ينعكس كل هذا في القوانين المسنونة، على سبيل المثال المغتصب الذي يتزوج ضحيته يفلت من العقاب، وتخفف العقوبة ان كان القتل على “خلفية الشرف” (في أغلب الاحيان جرائم بحق النساء اللواتي يعتبرن سبب لتلطيخ شرف العائلة بسبب احتكاك جنسي معين)، أو من العبء الاكبر وهو اثبات الزنى من قبل النساء اكثر من الرجال.

تستمر هذه الأخبار السيئة في النسيج فمن خلال القصص التي لا تعد ولا تحصى التي سمعتها عن الازدواجية الجنسية، فالمرأة الشابة تخشى خساراتها لعذريتها مما سيخسرها لفرصها للزواج، فتتوجه الى ممارسة الجنس الشرجي للحفاظ على غشاء البكارة، وبدون طلب استخدام الواقي، مما يتركها عرضة الى الاصابة بالايدز (فيروس نقص المناعة). اما الحالة الاخرى من النساء فهن المتزوجات اللواتي يردن المزيد داخل غرفة النوم، لكنهن يخشين ابداء المبادرة او طلب الاكتفاء الجنسي خوفاً غضب ازواجهن او اعتقادهم بوجود ماضي لهن. من الممكن أن كل من مصر وتونس وليبيا واليمن قد تخلصوا من أب الأمة إلا انه ما زالت السلوكيات الابوية السلطوية متجذرة داخلهم. من ضمن النساء الكبار والصغار، المتعلمات وغير المتعلمات هناك من يقبلن ختان النساء ويستوعبن تطليق الزوج لزوجته ان كانت مشوشة جنسياً او رفضت إخماده.

العنف الجنسي داخل او خارج منظمة الزواج هو أسلوب من أساليب التحكم، وهو الموضوع للمفاوضات هذا الأسبوع في الأمم المتحدة في نيويورك، والذي يتحدث عن حالة المرأة والاحتفالات اليوم بيوم المراة العالمي. فكأي مكان في العالم فإن العنف الجنسي هو واقع مؤسف في المنطقة العربية. من مجر سؤالك ستلقى من أن نصف النساء المصريات فد تعرضن الى مضايقة جنسية في الشارع، وثلث النساء التونسيات قد تعرضن الى سوء معاملة من أقاربهن او اصدقائهن – بما في ذلك العنف الجنسي- خلال السنة الماضية، او النساء السوريات اللواتي يتعرضن للاغتصاب كسلاح دمار شامل نتاج الحرب الأهلية في سوريا.

التحدث في العلن

من حسن الحظ أن النساء يثبتن انفسهن الآن كأكثر من ضحايا، على سبيل المثال في مصر مع الموجة الاخيرة من الهجمات الجنسية على النساء في ميدان التحرير، جنباً إلى جنب مع المقاومة لآراء المحافظين الإسلاميين في “حق” مكانة المرأة، تشجع بتزايد أعداد النساء – ولحسن الحظ عدد الرجال أيضاً- للوقوف بشكل ثابت والتحدث عن رفضهم لمثل هذه العنف الجنسي، بالإضافة لحق المرأة في الأماكن العامة، هذه علامة من علامات العصر وجزء كبير من التعبير الحر عن النفس والفعل، وهذا شجع الملايين من الأشخاص الآن للمشاركة.

بعد قول كل ما ذكر، فمن الجدير ذكره، أن هناك مجموعات نسائية حقوقية في المنطقة تتردد في طرح موضوع الجنسانية بسبب سلبيات الحقوق -على سبيل المثال- مثل الاكراه في التحرر والتمييز والعنف، حيث أن حق المرأة في المتعة الجنسية على سبيل المثال أو وصولها الى المعلومات الجنسية، او أن تعبر عن مشاعرها وأفكارها الجنسية، او حقها في اختيار متى وكيف تنجب (أو عدمه من الأصل) أو حقها في التحكم في جسمها مثل الاجهاض، أو حتى الاحتفاظ بغشاء بكارتها لنفسها، كلها مواضيع رفضت معظم المجموعات الحقوقية طرحها بشكل مباشر كجزء من مجتمع يضع وصمة عار حول الجنس.

على كل حال، هنالك الآن جيل من النساء القائدات والمؤسسات الغير حكومية، مثل مؤسسة نسوية في لبنان ومنتدى الجنسانية الذي يعمل مع الفلسطينيين ليستطيعوا مواجهة هذه القضايا بشكل مباشر، لكن ذلك ليس بالأمر السهل، واحدة من المجموعات النسوية القائدة في المنطقة وهي مشغولة بالدفاع عن حق المرأة في المشاركة السياسية كممثلات وناخبات ( تحتل النساء نسبة أقل من 10% من المقاعد البرلمانية في المنطقة)، والتمكين الاقتصادي (حيث ان أقل من ربع الاسماء لديهن وظائف)، وعلى الأكيد حيويين لتحقيق الحقوق الجنسية فيتركون المشاريع الخاصة بالتعليم والتمكين الجنسي للشباب طي الكتمان.

السياسة والدين والجنس هم ثلاثة “خطوط حمراء” في العالم العربي: مواضيع عليك تحاشيها وعدم معالجتها في المحادثات او في التطبيق، مثلما بدأت الناس الآن في البلدان الموجودة في المنطقة بالتشكيك في السياسة وتحدي دور الدين في السياسات العامة والسؤال عنها، آمل أنهم سيقومون بنفس الشيء والسؤال عن الحياة الجنسية. لكل النقاد الذين يعتبرون أن النقاش في هذه الأمور فهو “خارج عن الإسلام” ويسوقون هذه الفكرة للغرب اود تذكيرهم ان ليس فقط قراءات الآن والماضي والإسلام – حتى الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) ذات نفسه- لهم تاريخ حافل في الاحتفال بالمتعة الجنسية لكل من النساء والرجال، من أجل تحقيق العدالة والحرية والكرامة والمساواة في غرفة النوم، علينا تحقيقها في الحياة العامة والعكس صحيح، فالسياسة والجنس هما رفيقان طبيعيان.

بقلم: شيرين الفيقي، كاتبة كتاب الجنس والقلعة: الحياة الحميمة في عالم عربي متغير.

هذه المقالة تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة رأي كرز

التعقيبات

تعقيبات